من وحي رمضان .. بقلم الأستاذ الفاضل / علي محمود الشافعي

من وحي رمضان .. بقلم الأستاذ الفاضل / علي محمود الشافعي

مشاركةبواسطة hmasat في : 26 مايو 2018

مديحه حسن رئيس مجلس الادارة
كاتب شعر فُصحى وعامية وخواطر وقصة قصيرة

 

 

من وحي رمضان بقلم علي الشافعي
في رمضان ــ يا دام عزكم ــ فضائيات بلاد العرب اوطاني على كثرتها , وتعدد اهوائها وآرائها وافكارها وامزجة منشئيها , تُجمع على شيء واحد : الاعداد لطبق اليوم الرمضاني ؛ الرئيس والفرعي والمقبلات والمرطبات والمحليات فالمسليات والمٍشهيات والمسهرات . 
في رمضان تفتح وسائل التواصل الاجتماعي فتجدها ايضا تعج بأفخر الاطباق , تجد واحدة لا اظنها تعرف كيف تقلي بيضة , فتجدها ومن باب الترويج لنفسها ظنا منها ان العرسان الجوعى سيصدقونها , ويتقاطرون على بابها زرفات زرافات , فتظهر صورة طبق فاخر , عالي الجودة دقيق الصنع شهي التقديم تكتب تحته : ( عمل ايديّ وحياة عينيّ ) متوقعة ان المعجبين سيعجبون بالطبق وصاحبته , وهي لا تعرف ان الاهتمام بالطبق ينسيهم من عملته , لجزمهم انه من صنع والدتها , فهم قد غسّلوا ايدهم من بنات هذا الجيل برمته , الا من رحم ربي , مع احترامي لبعضهن . 
في رمضان تجد ايضا رجلا طويلا عريضا يصور مائدة تضم ما لذ وطاب من اصناف الطعام والشراب , ثم يكتب (تفضلوا على مائدة بيت العز والكرم , او تفضلواعلى شرف فلان , او مائدة الشريف الفلاني او النائب العلاني او المرشح المعجباني او المتفضل الحمصاني ). 
اقول : اللهم لك الحمد نحن بخير , اخيرا وجدنا ما يوحّد بلاد العرب من عراقها الى مغربها ومن شامها الى يمنها , انه وحدة الطعام والشراب , وسنضيف الى قاموس عناصر وحداتنا المشتركة وحدة اخرى فنقول وحدة الدم واللغة والعقيدة والتاريخ ووحدة الطعام والشراب واظن هذه الوحدة هي الاقرب للتحقيق في عصر لا يسمح لنا بالتفكير بغير البطون .
في مدينتنا الفاضلة ـــ يا دام عزكم ــ يبدا الشهر الفضيل قبل حوالي اسبوعين من موعده الرسمي بترويج التجار لسلعهم الرمضانية ؛ من لحوم وخضار وجوز ولوز وفستق وبندق وعصائر وفطائر وشطائر. واصحاب المطاعم من محمر ومقمر ومشمر, الى اطباق الارز باللحم والدجاج المشوي على الفحم . وتدور عجلة المطابع لتصدر نشرات دعائية بأسماء المطاعم والمولات , والاسعار التشجيعية المنافسة التي تقدمها على عروضها . ثم تبدا الحكومة عبر وسائل اعلامها الرسمية والمساندة والمساعدة , تتحدث عن جاهزيتها لمواجهة هذا الشهر الفضيل وكأننا في معركة , وان المخزون الاستراتيجي يكفي لتجاوز هذه الازمة , وانها ستطرح في الاسواق اطنان من اللحوم الحمراء والبيضاء , وانها ستضبط الاسواق وتحاكم المتلاعبين بالأسعار . ويفرح المواطن ... وينزل الى السوق امنا مطمئنا , ليجد ان ما يراه غير ما يسمعه . العائلة ايضا يجب ان تعمل خطة طواري الموجهة نهار رمضان الطويل وليله , فلا بد من تفقد كابلات الرسيفرات واللواقط , والاطمئنان على ان كل شئ يعمل بكفاءة عالية .
يبدا الشهر الفضيل رسميا بإعلان ثبوت رؤية الهلال فتضج المدينة بحركة غير اعتيادية , ويبدا التهافت على المخابز والمطاعم والبقالات لتامين وجبة السحور , ويتحلق افراد الاسرة حول الفضائيات حتى السحور , فيتسحر الجميع وينامون , وفي الصبح ينطلق كل الى عمله متباطئا متكاسلا متثائبا يتمطى , فيكون اداؤه ذلك اليوم ربع ادائه في ايام ما قبل رمضان , سواء كان طالبا او موظفا او عاملا .
قبيل الافطار تعج المدينة مرة اخري بحركة غير عادية , طوابير على كل شيء ؛ على المخابز ,على المطاعم ,على بائع القطايف , على الحلويات وعلى المواصلات , طوابير! طوابير! طوابير! حتى انه اصبح يحق لنا ان نطلق عليها ام الطوابير.
في رمضان عندنا ــ ايها السادة الافاضل ــ يقع العبء الاكبر من العمل على كاهل المرأة اقصد (الزوجة او الام ) , عبء تجهيز اكثر من صنف الطعام والحلويات والعصائر, لترضي اذواق جميع افراد العائلة , اضافة الى ان عليها ان تتحمل تردد ابي العيال على المطبخ اكثر من خمسين مرة , ليطمئن على سير العمل , ويتدخل في كل شئ حتى الملح والبصل , ولابد ان يُسمعها موشحا صاخبا عن ولده الذي ارسله الى السوق في طلبٍ ما , وان هذا الفتى كسول ودائم التأخر واينما يوجهه لا يأت بخير , وانها هي السب , اذ لولا دلالها لكان وضعه مختلفا , فإذا ما اعترضت , وبحجة انه صائم يكيل لها الصاع عشرة , وربما يتطور الامر لحد الضرب او الطرد او الطلاق , وكم من امرأة طردت الى بيت ابيها قبيل الافطار , ليعود ويرسل الوساطات بعد ذلك ويبدي الندم على ما صدر منه "فهو صائم" . 
على الام ايضا تجهيز المائدة ورص الطعام عليها , ثم جمع الاطباق بعد ذلك وتفريغها وتنظيفها , وان قامت احدى البنات لمساعدتها ؛ قامت متبرمة متجمّلة ؛ تسْلُق عملها سلقا وتُـعَـفْشِـك الدنيا , وتعود مسرعة لتشاهد برنامجها المفضل , او تتابع الواتس او الفيس . 
تنهي الام عملها منهكة تعود الى الصالون فتجلس متهالكة على اول كنبة تجدها , وماهي الا دقائق حتى تغط في نوم عميق استعدادا لوجبة السحور . وقت الاذان يجلس الزوج في مكان استراتيجي يشرف من خلاله على السفرة برمتها ويستطيع من مكانه تناول من يشاء كيف يشاء , وبنفس الوقت يتابع برنامج "رمضان معنا احلى " . يؤدي كل واحد من افراد الاسرة (عدا الام) ما عليه من واجبات متثاقلا وعلى عجل , ثم يجلس لمتابعة البرامج الترفيهية والمسلسلات الترفيهية ايضا حتى السحور , وهكذا دواليك حتى اذا ما انتهى الشهر الفضيل ذهب بحسناته وما ترك لكثير من الناس سوى الجوع والعطش . رمضان كريم وطابت اوقاتكم .

مديحه حسن رئيس مجلس الادارة
كاتب شعر فُصحى وعامية وخواطر وقصة قصيرة

صورة العضو الشخصية
hmasat
 
المكان:مصر
الجنس: أنثى